صوت كعب حذائها

علت الهمهمات بينهم، فقال رجل آخر:
_والعمل يا قاسم يا باشا؟
أجابه قاسم بتروٍّ وسيطرة:
_شغلكم زي ما هو، بس الجديد إن إيدي في السوق، ليا صلاحياتي وكلمتي اللي تتنفذ، ومافيش حاجة تدخل وتخرج من غير علمي.
والعمال تاكل عيش بلاش الفتافيت اللي بترموها ليهم.
عمّ الصمت المكان، فتلاقت عيناه برجل معين، والذي التزم الصمت لفترة ليست بالقليلة…
انتهى الاجتماع وخرج الأغلبية بغير رضا، بينما هو والرجل الآخر لم يغادر…
قال قاسم وهو يهتز بكرسيه برتابة:
_شايفك ساكت من وقت ما بدأنا؟
اعتدل ذلك الرجل في آخر عقده السادس، ذو خبرة ومكانة ليست بالقليلة في عالم الأعمال، صاحب نظرة ثاقبة ونزيهة، هيئة وقورة تزيدها خصلاته البيضاء المتناثرة في شعره.
شبك كمال يديه على سطح الطاولة قائلًا:
_وعايز رأيي تعمل بيه إيه؟ كده كده مش هيعجبك.
ابتسم قاسم لأول مرة، فأظهر وجهًا أصغر عمرًا:
_مش عارف، لكني فعلاً بحب أسمعه، يمكن علشان كلامك بيفكرني بكلام أبويا.
أومأ كمال برأسه داعيًا له بالرحمة وقال:
_رغم إني ما اتقابلتش به، لكن لو كلامي يشبه كلامه يبقى أكيد تصرفاتك اللي مش بتعجبني مش هتعجبه برضو.
استقام قاسم فجأة، فارِدًا ظهره واضعًا يديه في جيبي بنطاله وقد تبدلت ملامحه:
_أنا مش عارف ليه إنت بالذات اللي بستقبل كلامك ده، حقيقي رغم إنه بيضايقني.
علا رنين هاتف كمال برقم مجهول، وضع الهاتف على أذنه، ولحظات وكان يقف ببطء، وملامحه المصدومة تحكي عن اتصال يعني له المتحدث الكثير، وبخطوات سريعة كان قد غادر كمال المكان تحت أنظار قاسم عمران.
……..
الصمت سيد الموقف، ورجل تلمع عيناه وابتسامة تُجاهد في الظهور، لعلها تطمئن تلك الشابة الواقفة أمامه.
مرت سنوات كثيرة وكأنه لم يشعر بمرورها إلا الآن، ومضات قصيرة لطفلةٍ بجدائل سوداء وفستانٍ قصير وردي، متمسكة بدُمية بيدها، وبسعادة تستقبله، أو بالأحرى منتظرة أن يمدّها بحقيبة الحلوى الصغيرة.
ترقرقت العبرات بعينيه وغصّة حلقه تزداد، واشتياق لفُراق أخيه ولنسخته الواقفة أمامه.
رفع ذراعيه ببطء وابتسامة مطمئنة مع حركة من رأسه مشجعة، وصوتٍ ضعيف يهتف:
_ فيروز
لم تنتظر، استهلكتها البرودة وأهلكها الخوف والانتظار، ركضت لذراعيه واحتواها بحنان، وبكاؤها يزداد وكأنه لم ينفذ بعد، وأمان تبحث عنه بعد ليلة طويلة قضتها في الشارع بانتظار مصيرها المجهول، لكن جاءت الورقة التي أعطتها لها والدتها كطوق نجاة، ولم تُصدق أنه فعلاً هنا.
قال عمها كمال ماسحًا على رأسها:
_ جاي وخايف تطلعي كذّابة أو تكوني نصّابة، وشيء جوايا بيتمنى تكوني فعلًا إنتي فيروز بنت أخويا.
قالت من بين شهقاتها:
_ أنا فيروز
قاطعها مؤكدًا شعوره بها:
_ عارف، حاسس بأخويا فيكي وفي ملامحك.





